كلنا شـــــركاء.. بقلم : محمود أحمد الجدوع
#سفيربرس

في خِضَمِّ الأزمات والحروب، تبرزُ صورة الدولة ليس ككيانٍ سياسي فحسب، بل كمشروعٍ إنساني جماعي تُسهم في بناءه كل فئات المجتمع.
فالدولة ليست حكراً على الحكومات أو النخب، بل هي نتاج تضافر جهود أبنائها الذين يتحولون من مجرد “رعايا” إلى شركاء فاعلين في البناء والدفاع والصمود.
فما هو دور المواطن وواجباته في تشكيل مصير دولته عندما تهددها العواصف؟
وكيف تُترجم المسؤولية الفردية إلى فعل جماعي يُحدث فرقاً؟.
من الضروري أن يتحول المواطن.. من المتلقي إلى الفاعل: تحوُّل جذري في زمن الأزمات والمحن .
خلال الحروب والأزمات، تتعرض البنى التحتية للدولة لضغوط هائلة، مما يُضعف قدرتها على تلبية الاحتياجات الأساسية. هنا، يتحول المواطن من كونه مستفيداً من الخدمات إلى شريك في إنتاجها. ففي الحرب العالمية الثانية، مثلاً، لم تنجح دول الحلفاء إلا بفضل تعبئة المجتمعات: العمال في المصانع، والمتطوعون في الخدمات الطبية، وحتى الأطفال في جمع المواد القابلة لإعادة التدوير. هذه الصورة تتكرر اليوم في دول تعاني من حروب أو كوارث، حيث يُظهر المواطنون قدرةً على الابتكار وتقديم الحلول البديلة عندما تعجز المؤسسات الرسمية.
المخلصين يلعبون الأدوار المتعددة.. من التطوع إلى الابتكار والمساهمة ضمن القواعد التالية:
1. الدعم الاقتصادي والمجتمعي:
في ظل شح الموارد، يصبح التكافل الاجتماعي سلاحاً فعالاً. فجمع التبرعات، وإيواء النازحين، وتوزيع المواد الغذائية، أعمالٌ يقودها المواطنون لسد الثغرات. في لبنان، خلال أزمة انفجار مرفأ بيروت (2020)، تحول الشباب إلى فرق إغاثة منظمة، بينما افتتح أصحاب المحال مطاعم مجانية للضحايا. هذه المبادرات لم تنقذ الأرواح فحسب، بل حافظت على تماسك المجتمع.
2. الحفاظ على السلم الأهلي:
في سياق الأزمات، تنتشر الشائعات وتتصاعد التوترات الطائفية أو السياسية. هنا، يلعب المواطنون دوراً حاسياً في نشر الوعي ومواجهة خطاب الكراهية. ففي العراق خلال الحرب ضد تنظيم “داعش”، شكلت المجتمعات المحلية ميليشيات دفاعية، لكنها أيضاً رفضت الانجرار إلى انتهاكات طائفية، مؤكدةً أن الوحدة الوطنية هي خط الدفاع الأول.
3. المشاركة السياسية والرقابة:
حتى في زمن الحرب، لا يجب أن يتوقف النقاش حول الحوكمة الرشيدة. فالمشاركة في الانتخابات، والضغط على الحكومات لتبني سياسات شفافة، ومحاسبة الفاسدين، كلها أدوات يُمكن للمواطن استخدامها لمنع استغلال الأزمات لأجندات فردية.
في أوكرانيا، مثلاً، ساهمت منصات المجتمع المدني الإلكترونية في مراقبة توزيع المساعدات الدولية ومنع اختلاسها.
4. الابتكار التكنولوجي والتعليم:
المواطنون ليسوا مستهلكين للتكنولوجيا، بل قادرون على توظيفها لخدمة الصالح العام. خلال الحرب في سوريا، طوّر مهندسون وناشطون تطبيقات لتحديد أماكن القصف الجوي، بينما استخدمت مجموعات أخرى منصات افتراضية لاستمرار التعليم رغم تدمير المدارس. هذه الحلول تُظهر أن الإبداع الفردي يمكن أن يُترجم إلى منصات إنقاذ جماعية.
التحديات.. عندما يصبح المواطن في خط النار
رغم هذه الأدوار، تواجه مشاركة المواطن عقبات جسيمة، منها:
– غياب الثقة بين المواطن والدولة:
خاصة في الدول التي تعاني من استبداد أو فساد مزمن، ما يُضعف الحافز للمشاركة.
– نقص الموارد: فكثيرون يكافحون للبقاء على قيد الحياة، مما يُصعب عليهم الانخراط في العمل المجتمعي.
– الضغوط الأمنية: كالاعتقال أو التهديد بسبب النشاط المدني في مناطق النزاع.
خلاصة القول : المواطن هو اللبنة الأولى لبناء الدولة.
الأزماتُ اختبارٌ حقيقي لوعي المواطن والتزامه وحبه لوطنه. فالدول التي تنجو من العواصف هي تلك التي يستعيد فيها الأفراد إحساسهم بالمسؤولية تجاه بعضهم البعض، ويتحول الألم المشترك إلى وقود للعمل الجماعي. ليست النخب وحدها من تصنع التاريخ، بل الشعوب التي ترفض أن تكون تابعة للنخب والسياسيين .
“حقظ الله سورية : تبنى الأوطان بالمحبة والتكاتف والإخاء “
#رئيس التحرير : محمود أحمد الجدوع